Read this article in

Essays & Articles · 21 أكتوبر 2026

ما وراء الصورة: الفن كطريقة لرؤية العالم

by Marwa Altaweel

رحلة فنية بدأت بشغف الطفولة بالرسم، وامتدت عبر التصميم والفن الرقمي، وصولاً إلى إعادة اكتشاف التعبير البصري من خلال الحرف العربي. تأمل شخصي في العلاقة بين الفن والهوية والخيال.

ما وراء الصورة: الفن كطريقة لرؤية العالم

لم يبدأ الفن بالنسبة لي كاختيار مهني، بل كطريقة لفهم العالم والتعبير عنه. منذ طفولتي، كان الرسم مساحة أستطيع من خلالها أن أقول ما لا تكفي الكلمات أحياناً لقوله، وأن أعيد تشكيل ما أراه وفق إحساسي الخاص.

ومع مرور السنوات، تغيّرت الأدوات وتوسّعت التجارب، من الرسم والفنون البصرية إلى التصميم والفن الرقمي، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: إيماني بأن قيمة العمل الفني لا تكمن في جماله البصري وحده، بل في الفكرة التي يحملها، والإحساس الذي يتركه، والأسئلة التي قد يثيرها.

لطالما أثارت اهتمامي العلاقة بين الشكل والمعنى، وبين التجريد والوضوح، وبين الهوية والتجريب. أجد في الحرف العربي، والتكوينات البصرية، والتقنيات المعاصرة مساحات مفتوحة لاستكشاف هذه العلاقات، دون أن أحصر تجربتي الفنية في أسلوب واحد أو وسيط محدد.

وبالنسبة لي، لا يعني التطور الفني التخلي عما سبق، بل إعادة اكتشافه من منظور جديد. فكل تجربة، وكل أداة، وكل محاولة غير مكتملة، قد تفتح باباً لطريقة مختلفة في الرؤية والتعبير.

البدايات: حين كانت المخيلة تقودني

في طفولتي، كان الرسم من أكثر الهوايات التي تمنحني المتعة. لم أكن أبحث عن معنى عميق لكل ما أرسمه، كنت أرسم لأنني أحب ذلك، ولأن الرسم كان يمنحني مساحة أعبّر فيها عن مشاعري، وأطلق العنان لمخيلتي.

كانت تلك المساحة تسمح لي بأن أرى الأشياء بطريقتي الخاصة، وأن أحوّل أفكاري وتصوراتي إلى أشكال وألوان تتجاوز أحياناً حدود الواقع.

ومع مرور الوقت، أصبح الفن بالنسبة لي أكثر من مجرد هواية، لكنه احتفظ بذلك الشعور الأول: متعة الاكتشاف، وحرية التعبير، والقدرة على تحويل ما أتخيله إلى شيء مرئي.

حين وجدت نفسي في التصميم

أحياناً، لا نصل إلى ما يشبهنا عبر الطريق الذي خططنا له. وبالنسبة لي، لم يكن اختياري للتصميم الجرافيكي ابتعاداً عن الفن الذي أحببته منذ طفولتي، بل امتداداً له، وطريقة جديدة لتحويل الأفكار إلى رسائل بصرية تحمل المعنى والإحساس.

ما جذبني أكثر هو العلاقة بين اللون والحرف والشكل والتكوين، وكيف يمكن لهذه العناصر أن تتكامل لتشكّل لغة بصرية واحدة. وجدت متعة خاصة في استكشاف هذه العلاقات، وفي البحث عن حلول غير تقليدية تجمع بين الجرأة والدقة والانسجام.

لم أكن أسعى إلى الاختلاف لمجرد الاختلاف، بل إلى ابتكار تجارب بصرية تتجاوز الأطر المألوفة، حيث لا يأتي الاختلاف على حساب وضوح الرسالة، بل يصبح جزءاً من قوتها.

وهكذا، أصبح التصميم بالنسبة لي مساحة أوازن فيها بين الحرية الفنية والتفكير المدروس، وبين ما أريد التعبير عنه والطريقة التي أختار أن أقدّمه بها.

العودة إلى المساحة الأولى

مع دخولي سوق العمل، أخذني عالم التصميم المهني تدريجياً بعيداً عن الرسم والفن الحر الذي أحببته. لكن تلك العلاقة لم تنقطع يوماً، فقد ظل الرسم ملاذاً أعود إليه بين حين وآخر، بعيداً عن إيقاع العمل ومتطلبات الحياة المهنية، كمساحة أستعيد فيها حريتي وأفرّغ من خلالها طاقتي ومشاعري.

واليوم، أعود إلى هذه المساحة بحضور أعمق ورؤية أكثر نضجاً، مستفيدة من كل ما أضافته السنوات إلى تجربتي الفنية والبصرية. أجد نفسي مجدداً في الرسم، ولكن هذه المرة من خلال حوار مختلف بين التكوينات الفنية والحرف العربي، حيث تتداخل الأشكال والخطوط لتخلق لغة بصرية تجمع بين هويتي الفنية وتجربتي المعاصرة.

لم تكن هذه العودة بداية جديدة بقدر ما كانت امتداداً لشيء ظل يرافقني دائماً, شغفي الأول بالفن، ولكن برؤية مختلفة.

الحرف العربي كامتداد بصري

لطالما كان الحرف العربي جزءاً مهماً من لغتي البصرية كمصممة جرافيك، خاصة في الأعمال التي تعتمد على الخط العربي، سواء في التصميم أو في بناء الشعارات. لذلك، لم يكن حضوره في لوحاتي أمراً منفصلاً عن تجربتي، بل امتداداً طبيعياً لها.

ما يجذبني في الحرف العربي هو قدرته على الجمع بين الجمال والمعنى, فهو لا يعمل فقط كعنصر بصري يحمل إيقاعاً وتكويناً خاصاً، بل يمتلك أيضاً طاقة تعبيرية عميقة.

ومن هنا، بدأت أستخدمه في أعمالي الفنية بطريقة تدمجه مع الرسم نفسه، بحيث يصبح جزءاً من التكوين، ومن الفكرة، ومن الإحساس الذي يحمله العمل.

في كثير من الأحيان، تنبع الحروف أو الكلمات التي أستخدمها من معنى الرسم ذاته، لكنها لا تظهر بوصفها نصاً منفصلاً، بل كتعبير بصري وفني منسجم مع اللوحة.

وهنا، أجد أن الحرف العربي يمنحني مساحة أوسع لخلق أعمال تلتقي فيها الهوية بالجمال، والفكرة بالشكل، والتعبير اللغوي بالإحساس البصري.

الفن كرحلة مستمرة

لا أرى تجربتي الفنية بحثاً عن أسلوب ثابت، بل رحلة مستمرة بين ما أشعر به وما أستطيع أن أمنحه شكلاً. ومع كل عمل جديد، أعود إلى الفكرة الأولى التي قادتني إلى الفن: أن أخلق شيئاً يحمل صوتي، ويترك أثراً يتجاوز حدود الصورة.

مروة الطويل
مصممة جرافيك وفنانة رقمية

Appreciations

Commentary

0 notes

0/2000
  • Loading commentary…