Art Journal
Read this article in

Our Journal · 19 أكتوبر 2026

خلود الجابري: الريشة حين تغزل ذاكرة المكان ووجه المرأة الإماراتية

by Niotah Editorial

في تاريخ الفن الإماراتي، تقف الفنانة الرائدة **خلود الجابري** كإحدى القامات التي أسهمت في تشكيل المشهد الثقافي وتأسيسه. نفتح معها أوراق الذاكرة لنستعيد بدايات شغفها في "فريج المرر" بدبي ورحلتها في أبوظبي، وكيف تحولت مفردات التراث—كالبرقع وثوب النشل والألوان—إلى لغة تشكيلية تعيد صياغة حضور المرأة الخليجية وتصون ذاكرة المكان.

من شاطئ دبي إلى أروقة المجمع الثقافي: حكاية البدايات والخطوة الأولى

عندما نعود بالذاكرة إلى البدايات، يتجلى الفن لدى خلود الجابري كاستجابة لنداء داخلي ولد معها منذ الطفولة، قبل أن يكون مجرد خيار مهني في زمن لم تكن فيه المسارات ممهدة للجميع. تتذكر بدايتها الأولى بشغف واعتزاز قائلة:

أرشيف الثمانينيات: محطة تاريخية في مسيرة الفنانة خلود الجابريتغطية صحفية من جريدة الخليج (27 نوفمبر 1989) توثق لحظة فوز الفنانة الإمارتية خلود الجابري بالمركز الأول في المعرض التشكيلي الخامس لشباب دول مجلس التعاون عن لوحتها «الإنسان والبترول».
أرشيف الثمانينيات: محطة تاريخية في مسيرة الفنانة خلود الجابريتغطية صحفية من جريدة الخليج (27 نوفمبر 1989) توثق لحظة فوز الفنانة الإمارتية خلود الجابري بالمركز الأول في المعرض التشكيلي الخامس لشباب دول مجلس التعاون عن لوحتها «الإنسان والبترول».

«أعتبر نفسي من الجيل الثاني في الحركة التشكيلية في الدولة. لم أشعر منذ البداية أنني أدخل مجالًا لأثبت أنني امرأة قادرة على ممارسة الفن، بقدر ما شعرت أنني أستجيب لشيء كان موجودًا بداخلي منذ طفولتي؛ فقد وهبني الله موهبة الرسم لأنفع بها الناس.

بدأت رحلتي منذ أن كنت طفلة أسكن في "فريج المرر" بدبي؛ بيتنا كان على شاطئ البحر، حيث المراكب تُصنع والأخشاب متناثرة أتأملها كل يوم. وهكذا بدأت حكايتي في سن السابعة، عندما رسمت أول رسمة لي — "عروس البحر" — على سبورة الفصل في مدرسة الخنساء بدبي، وكانت معلمتي آنذاك الأستاذة زهرة. وبعد انتقال أسرتي إلى أبوظبي، استمر الرسم يكبر معي ويصبح جزءًا من شخصيتي وطريقتي في التعبير عن العالم.»

لم تتوقف شعلة الشغف في المرحلة المدرسية، بل امتدت لتشكل أولى ملامح التجريب الفني والبحث عن البدائل، وصولاً إلى الجامعة والاحتراف المؤسسي:

«في المرحلة الإعدادية، رسمت على جدران مدرستي "أم عمار الثانوية" وفزت بأول مسابقة رسم حي بها وتم تكريمي. وفي سن المراهقة، كنت أقرأ قصص إحسان عبد القدوس، فشدني غلاف إحدى الروايات وبدأت أعيد رسم غلاف "أنا حرة" بقلم الرصاص؛ وهكذا كانت الكلمة والريشة رفيقين بلوحاتي منذ الصغر.

لم أكن أجد ورقًا خاصًا بالرسم، فكنت آخذ ألبومات الصور الخاصة بوالدي (رحمه الله) وأرسم عليها. ومع مرور الوقت أدركت أن اختيار الفن كمسار للحياة لم يكن أمرًا معتادًا في ذلك الوقت، خصوصًا بالنسبة لفتاة إماراتية.

في عام 1983، شاركت في مسابقة للرسم المباشر أمام الجمهور في جامعة الإمارات العربية المتحدة بالعين، وحصلت على المركز الأول وحظيت بتكريم من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان. وخلال الفترة الجامعية، تم افتتاح المرسم الحر بالمجمع الثقافي بأبوظبي، فكنت من أول المسجلين في دورة مكثفة لمدة خمسة أشهر تعلمت فيها الأساسيات على يد مدرستي "شاهينا" التي يرتبط لها بفضل كبير ورعاية لموهبتي. هناك شعرت أن الفن أصبح طريقًا يمكن أن أبني من خلاله حياتي ومسيرتي.»

“أنني لم أرَ الفن مجرد لوحة تُرسم، وإنما رأيته جزءًا من حياتي، ومن ذاكرتي، ومن مسؤوليتي تجاه الحركة الفنية التشكيلية في وطني”

— خلود الجابري

وحول عملها ودور الأهل والمسابقات الخليجية التي سطع فيها نجمها:

«تخرجت من الجامعة ومن الدورة الأولى للمرسم الحر، فتم اختياري كمساعدة لمديرة المرسم الحر (مدرستي)، وعملت معها كمساعدة إدارية ومعلمة فنون. لم يكن المشهد الفني قد أخذ شكله المؤسسي الحالي، لكنني عاصرت مرحلة تأسيسية مهمة في المجمع الثقافي بأبوظبي، وتم تكريمي من قبل الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان في حفل تخرجنا وافتتاح معرض المرسم الحر عام 1986.

في البداية رفض أخي عملي في المجال الفني بينما ساندني أخي الآخر. لم تكن المقاومة دائمًا في شكل رفض مباشر، بل في الأسئلة ونظرة المجتمع للفن كـ "هواية جانبية". لكنني أمنت أن الفنان يثبت اختياره بالاستمرار والعمل.

ما أعطاني القوة هو إيماني بالفن نفسه وبأن لدي ما أقوله عن بيئتي والمرأة الإماراتية. وحصلت على المراكز الأولى في مسابقات الفن التشكيلي بدول مجلس التعاون (المركز الأول في البحرين 1987، المركز الثاني في عمان 1988، والمركز الأول في الكويت 1989)، وتواصلت مع كبار فناني الخليج والعالم العربي مثل عبد الله المحرقي من البحرين، ومحمد علي وعلي حسن من قطر، وراشد دياب من السودان.

بعد زواجي، توقفت عن الاحتكاك بالجمهور وعملت كمصممة مطبوعات وتوقفت عن الرسم 18 عامًا. وفي عام 2009 قررت العودة بقوة عبر مشاركتي في "تعابير إماراتية"، وشاركت لمدة سنة في الورش التطوعية والمعارض والتحكيم. وبعد عام من العودة فزت بجائزة كأهم فنانة عربية، وتم ترشيحي كأول خبيرة في مجال التصوير الفوتوغرافي والفنون التشكيلية في وزارة العدل، ثم انتُدبت لوزارة الثقافة كنائب رئيس قسم الفنون.

اليوم، وبعد أكثر من أربعين عامًا، أقول دائمًا: تقاعدت من الوظيفة، لكنني لم أتقاعد من خدمة الفن والإنسان.»

عمل تشكيلي مبكر يعود إلى عام 1987 بالفنانة الرائدة خلود الجابري، يجسد مفردات الذاكرة البحرية والبيئة المحلية للإمارات في قالب رمزي تأملي. تتجاور في التكوين الشراع التقليدي والمحار مع الملامح الإنسانية، لتروي حكاية الارتباط بالبحر والهوية ضمن محطة تأسيسية تعكس تطور اللغة الفنية والبحث عن بدائل تعبيري
عمل تشكيلي مبكر يعود إلى عام 1987 بالفنانة الرائدة خلود الجابري، يجسد مفردات الذاكرة البحرية والبيئة المحلية للإمارات في قالب رمزي تأملي. تتجاور في التكوين الشراع التقليدي والمحار مع الملامح الإنسانية، لتروي حكاية الارتباط بالبحر والهوية ضمن محطة تأسيسية تعكس تطور اللغة الفنية والبحث عن بدائل تعبيري

بين الأمس واليوم: حميمية البدايات وازدهار المشهد الفني

تحمل تجربة الجيل التأسيسي طابعًا خاصًا يقوم على العفوية والشغف الخالص. وعند مقارنة تلك الأيام الباكرة بما يشهده المشهد الفني الإماراتي اليوم من انفتاح وعالمية، تستحضر خلود الجابري تلك الروح بكثير من الوفاء والفخر:

«عندما بدأت رحلتي في الثمانينيات، كان المشهد يُبنى خطوة بخطوة بجهود الفنانين أنفسهم. أتذكر تلك الفترة باعتزاز كبير؛ فقد كانت البدايات بسيطة الإمكانات لكنها غنية جدًا بالشغف والحوار.

أكثر ما أفتقده اليوم هو تلك العلاقة الإنسانية القريبة بين الفنانين. كانت اللقاءات أكثر عفوية، وكان هناك وقت أطول للنقاش حول اللوحة والفكرة والخامة. عدم توفر الإمكانات حينها جعلنا نعتمد على أنفسنا ونبتكر حلولاً مرتبطة ببيئتنا المحلية.

في المقابل، عندما أنظر إلى المشهد الفني في الإمارات اليوم، أشعر بالفخر والسعادة الكبيرين. أرى مؤسسات فنية ومعارض وفعاليات دولية، وفنانين إماراتيين شبابًا يمتلكون فرصًا لم تكن متاحة لنا. ويسعدني بشكل خاص حضور المرأة الإماراتية اليوم كفنانة وقيادية وناقدة وباحثة.

البذور التي زرعناها كجيل تأسيسي نمت وأصبحت جزءًا من المشهد الثقافي العالمي للدولة. أجمل ما في هذه الرحلة

هو الاستمرارية؛ فكل جيل يضيف رؤيته مستندًا إلى ما بناه الجيل الذي سبقه، مع الاحتفاظ بجذورنا وهويتنا الأصيلة.»

“الأقمشةُ التراثية مثل "ثوب النشل" ليست مجرد مادة جميلة على اللوحة، بل هي حاملة لذاكرة اجتماعية وثقافية تختزن قصص النساء وتفاصيل حياتهن. التراث بالنسبة لي ليس قالباً جامداً نكرره، بل هو جذر حي نعيد قراءته وتطويره بأسلوب معاصر”

— خلود الجابري

استعادة صورة المرأة الخليجية: البرقع كرمز للهوية لا للغياب

في أعمال خلود الجابري، لا تظهر المرأة كعنصر هامشي أو موضوع سلبي للنظر، بل كشخصية حيوية، حارسة للتراث وصانعة للمستقبل. وتوضح الفنانة فلسفتها في تفكيك الصور النمطية الاستشراقية وإبراز قوة المرأة الإماراتية:

«أعتقد أن هذا التوجه كان حاضرًا في تجربتي منذ البدايات. شعرت بأهمية أن نروي حكايتنا بأنفسنا، وأن نقدّم المرأة الإماراتية بعيدًا عن الصور النمطية التي تختزلها في الزي أو البرقع وتتجاهل حضورها الفكري والاجتماعي.

رسمتها لأنني أنتمي إلى بيئتها؛ ظهرت في أعمالي كأم ومربية، وصاحبة رأي، وشريكة في بناء المجتمع. ولأن الفن لغة عالمية، لجأت للتعبير عن صوتها بالأسلوب الرمزي عبر عناصر التراث الإماراتي برؤية معاصرة تحمل الدهشة والتأمل. رسمت بالألوان المائية والجواش، ثم طوّرت أدواتي بالبحث في مكتبات دبي حتى اكتشفت ألوان الأحبار، فكنت من أوائل الفنانات اللاتي رسمن بالحبر الملون عام 1989.

أما في سلسلة «وجوه مبرقعة» (Faces)، فلم يكن البرقع حاجزًا، بل مدخلًا للتأمل في الهوية والمشاعر الكامنة وراء الملامح. ركزت على العينين والتعبير والألوان لإبراز الحضور الإنساني، مؤكدة أن البرقع لا يعني الغياب أو الانغلاق، بل هو جزء من هوية متعددة الطبقات تعبّر عن حضور فاعل ومستقبل مشرق.

التفاصيل التراثية كالتطريز والتلي والملابس التقليدية ليست مجرد زينة في لوحاتي، بل رموز لذاكرة النساء ودورهن في حفظ الثقافة وتجديدها.»

“فالفن، في جوهره، ليس ما نتركه على القماش وحده، بل ما نتركه في ذاكرة الناس ووجدانهم.”

— خلود الجابري

شغف الخامة: حين يتكلم "ثوب النشل" وورق الذهب

اللغة الفنية لدى خلود الجابري لم تنشأ فقط من اللون، بل من الحوار الحي مع الخامة والملمس والمادة المحلية، تحولاً من بساطة الموارد في الثمانينيات إلى نسيج تشكيلي مركّب:

«تطورت لغتي الفنية من تأملي في تفاصيل الحياة الإماراتية. في الثمانينيات لم تكن الخامات متوفرة، فتعلمنا كيف نمنح المواد البسيطة إمكانات تعبيرية تتجاوز استخدامها التقليدي، وعلمتني تلك المرحلة أن قيمة العمل تكمن في كيفية توظيف الخامة وليس في سعرها.

مع السنوات، أصبحت الخامة جزءًا من الفكرة. الأقمشة التراثية مثل "ثوب النشل" تستحضر ذاكرة المرأة ومناسباتها وحضورها؛ وحين أوظفها لا أتعامل معها كقماش جميل فحسب، بل كحاملة لذاكرة اجتماعية وثقافية.

أما زخارف "الشَّل" المستوحاة من الورود، فقد ألهمتني بخفتها وحركتها؛ أحب أن تشعر العين بأن الزخرفة تتحرك داخل اللوحة لتخلق إيقاعًا بصريًا حيًا. كما يتيح لي استخدام ورق الذهب والعناصر اللامعة اللعب على علاقة الضوء بالملمس وتشكيل بؤر ضوئية تخدم الفكرة العامة دون أن تتحول إلى إضافة زخرفية مجانية.

التراث بالنسبة لي ليس قالبًا ثابتًا نكرره، بل مصدر غني نعيد قراءته بأسلوب معاصر يجمع بين اللون والخامة والرمز ليلتقي الماضي بالحاضر.»

من خلف الكواليس: العمل الثقافي كإرث ممتد على القماش وخارجه

هذا العمل الفني (وسائط متعددة) للفنانة الإماراتية خلود الجابري (الموقع والمؤرخ عام 2018 في الزاوية السفلية اليمنى) يُعد احتفاءً نابضاً بالحياة بالتضامن النسائي، والتراث الإماراتي، والأقمشة والمنسوجات التقليدية.
هذا العمل الفني (وسائط متعددة) للفنانة الإماراتية خلود الجابري (الموقع والمؤرخ عام 2018 في الزاوية السفلية اليمنى) يُعد احتفاءً نابضاً بالحياة بالتضامن النسائي، والتراث الإماراتي، والأقمشة والمنسوجات التقليدية.

تتقاطع تجربة خلود الجابري الإبداعية مع دورها القيادي والمؤسسي، حيث أسهمت في بناء البنية التحتية للفنون من خلال العمل في المجمع الثقافي، ووزارة الثقافة، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وجرد المقتنيات الوطنية. وعن هذا التكامل تقول:

«أرى أن مسيرتي الفنية وخدمتي الثقافية مساران متكاملان. فالفن ليس صورة نرسمها فحسب، بل ذاكرة نصونها وأثر نتركه للأجيال.

خلال عملي في المجمع الثقافي ووزارة الثقافة، وفي جرد المقتنيات وتصنيفها، والتحكيم وإدارة المعارض، وشغلي منصب نائب رئيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بالشارقة، أدركت أن المعرض الذي يراه الجمهور هو ثمرة عمل طويل خلف الكواليس. علّمني العمل الثقافي أن الفن يحتاج إلى بيئة تحتضنه ومؤسسات تدعمه وتوثيق يحفظه.

هذا الوعي انعكس على لوحاتي؛ فصرت أكثر التصاقًا بالحكايات التي تحمل روح المكان. ولم يقف الحفاظ على التراث عندي عند حدود الماضي، بل كان حافزًا للتجريب الدائم عبر الكولاج، والطباعة، والوسائط المتعددة، وإعادة تدوير الخامات.

بعد أكثر من أربعة عقود، عملت خلف الكواليس لأمنح الفن مساحة أوسع في المجتمع، ووقفت أمام اللوحة لأمنح حكايات المجتمع مساحة أعمق في الفن. فالفن في جوهره ليس ما نتركه على القماش وحده، بل ما نتركه في ذاكرة الناس ووجدانهم.»

Appreciations

Commentary

0 notes

0/2000
  • Loading commentary…