المحاولة رقم 103
لم أبدأ هذه المساحة لأنني كنت ممتلئاً بالحماسة، ولا لأنني استيقظت ذات صباح وقررت أن أصبح فناناً.
بدأتها لأن شيئاً ما في داخلي كان يتراكم، ولم أعد أعرف أين أضعه.
ربما كانت محاولة للنجاة، وإن لم أكن أعرف حينها ممَّ أحاول النجاة بالضبط. وربما كانت محاولة لفهم ما حدث، أو لترتيب تلك الفوضى التي تركتها السنوات في رأسي. كل ما أعرفه أنني كنت أحتاج إلى مكان أضع فيه الأشياء التي لم أستطع قولها.
بعض القصص تبدأ من حدث واضح يمكن الإشارة إليه بالإصبع والقول: من هنا بدأ كل شيء.
أما قصتي، فلا أظن أن لها بداية واحدة.
هي مجموعة بدايات صغيرة، متفرقة، لا تبدو مرتبطة ببعضها في ظاهرها، لكنها حين اجتمعت كوّنت الطريق الذي أوصلني إلى هنا: فقدٌ لم أفهمه، وذكريات لم أعرف كيف أتخلص منها، ورسومات بدأت بلا قصد، وأشياء صدئة كنت ألتقطها من الأرض، بينما كان الآخرون يرونها مجرد خردة.
لطالما حيّرتني الطريقة التي تعمل بها الذاكرة.
إنها لا تحفظ حياتنا كما حدثت، ولا تعيدها إلينا مرتبة بحسب السنوات والأيام. لا تحتفظ بالمشهد كاملاً، بل تختار منه أشياء صغيرة وغريبة، ثم تتركها عالقة فينا.
قد تنسى ملامح شخص أحببته، لكنك تتذكر لون قميصه في يوم عادي.
قد تنسى الحوار كله، لكنك تتذكر كلمة واحدة وطريقة نطقها.
وقد تمر سنوات طويلة من دون أن تتذكر حادثة ما، ثم تعيدك إليها رائحة، أو موسيقى، أو قطعة حديد صدئة تشبه شيئاً رأيته في مكان لا تستطيع تحديده.
كأن الذاكرة لا تهتم بما نعتقد أنه مهم. هي تختار تفاصيلها بنفسها، وتخبئها في أماكن لا نعرفها، ثم تعيدها حين تشاء، لا حين نكون مستعدين لها.
لهذا لا أثق كثيراً بالتسلسل الزمني حين أحاول رواية حياتي.
لا أتذكر الأشياء بحسب ترتيب وقوعها، بل بحسب الأثر الذي تركته. بعض الأحداث القديمة ما زالت قريبة كأنها حدثت بالأمس، وبعض ما حدث منذ وقت قصير يبدو بعيداً ومغبشاً، كأنه يخص شخصاً آخر لا أعرفه جيداً.
أتذكر زعتر.
لم يكن فقده مجرد حادثة حزينة مرّت ثم انتهت. بقي داخلي بطريقة لم أفهمها. ربما لأن الفقد لا يأخذ الكائن الذي نحبه وحده، بل يأخذ معه جزءاً من النظام الذي اعتدنا أن نعيش داخله.
يختفي صوت كان موجوداً في المكان.
تختفي حركة صغيرة اعتدنا رؤيتها.
يبقى وعاء في مكانه، أو زاوية فارغة، أو عادة لا يزال الجسد ينتظر حدوثها، رغم أن العقل يعرف أنها لن تحدث مجدداً.
بعد الفقد، لا يبدو البيت فارغاً تماماً، لكنه لا يعود البيت نفسه.
الأشياء كلها تبقى في أماكنها، ومع ذلك تشعر بأن شيئاً أساسياً قد تحرك من مكانه، ولا تعرف كيف تعيده.
ربما من هناك بدأت أفهم أن الحزن لا يكون دائماً صاخباً.
أحياناً لا نبكي، ولا نصرخ، ولا ننهار كما نتخيل أن الإنسان المنكسر يجب أن يفعل. أحياناً نستيقظ، ونرتدي ملابسنا، ونجيب عن الرسائل، ونضحك في الوقت المناسب، ثم نكمل يومنا وكأن شيئاً لم يحدث.
لكن شيئاً ما يكون قد حدث فعلاً.
شيء لا نراه، يبدأ بالتصلب في الداخل.
علمت لاحقاً أن العقل، حين يعجز عن احتمال الألم، قد لا يواجهه ولا يطرده، بل يجمّده. يضعه في زاوية بعيدة كي نستطيع متابعة حياتنا، ثم يخفض صوت المشاعر كلها، لا المشاعر المؤلمة وحدها.
ولهذا لا يكون تبلّد المشاعر غياباً للحزن، كما يبدو للآخرين.
قد يكون الحزن قد بلغ درجة لم يعد العقل قادراً على حملها بشكله الطبيعي.
فيقرر أن يطفئ المكان كله.
لا تعود حزيناً بوضوح، لكنك لا تعود سعيداً بوضوح أيضاً. لا تشعر بأنك تتألم، ولا تشعر بأنك بخير. تنظر إلى الأشياء التي كنت تحبها، وتعرف أنك كنت تحبها، لكنك لا تستطيع الوصول إلى ذلك الشعور.
كأن بينك وبين نفسك زجاجاً سميكاً.
ترى كل شيء من خلاله، لكنك لا تستطيع لمسه.
كنت أضع الموسيقى أحياناً كي أكسر هذا التلبّد.
لم أكن أبحث عن أغنية تجعلني سعيداً، بل عن شيء يحرّك السكون، أياً كان الاتجاه الذي ستأخذه المشاعر بعد ذلك. كنت أريد أن أشعر بشيء واضح، حتى لو كان موجعاً، لأن الألم الواضح كان يبدو أرحم من ذلك الفراغ الذي لا اسم له.
وربما لهذا بدأت أكتب أيضاً.
ليس لأنني كنت أعرف ماذا أريد أن أقول، بل لأن الكتابة كانت طريقة لطرق ذلك الزجاج من الداخل.
بدأت بمحاولات بسيطة.
دفتر امتنان، مثلاً.
كانت الفكرة أن أكتب أشياء صغيرة أشعر بالامتنان لوجودها، كأنني أحاول تدريب عيني على رؤية ما بقي بدلاً من التحديق في كل ما فُقد.
لم تكن الأشياء عظيمة بالضرورة.
فنجان قهوة في وقته.
رسالة جاءت من شخص أحبه.
ضوء دخل من النافذة بطريقة جميلة.
لحظة هدوء.
أو يوم مرّ من دون خسارة جديدة.
كنت أكتبها وأنا غير متأكد إن كنت أشعر فعلاً بالامتنان، أم أحاول إقناع نفسي بأنني أشعر به. لكن مجرد البحث عن شيء أكتبه كان يجبرني على النظر إلى يومي بطريقة مختلفة.
كأنني أقول لنفسي: لا بد أن شيئاً واحداً على الأقل لم يكن سيئاً تماماً.
وفي مكان ما من هذه الذاكرة تظهر فيون.
لا تظهر كقصة مكتملة، بل كلقطة. فالذاكرة، كما قلت، لا تعيد الأشخاص إلينا كما كانوا، بل تعيد أجزاءً منهم: نبرة، أو حركة، أو حضوراً صغيراً بقي عالقاً في المكان.
ويظهر الجار أيضاً.
وتظهر تلك الحادثة التي ارتبطت في ذهني بالانتحار.
لا أتذكرها كخبر انتهى، بل كسؤال ظل مفتوحاً.
كيف يصل الإنسان إلى اللحظة التي يشعر فيها أن لا شيء بعد الآن يستحق الاستمرار؟
ماذا يكون قد حدث في داخله قبل أن يراه الآخرون؟
وكم مرة مرّ بجانب الناس، وتحدث معهم، وربما ابتسم لهم، بينما كان يحمل كل ذلك وحده؟
لم أفهم حينها، وربما لا أفهم حتى الآن. لكن الذكرى بقيت، ليس لأنها أعطتني جواباً، بل لأنها جعلتني أكثر انتباهاً للأشياء التي لا تظهر على الوجوه.
منذ ذلك الوقت، لم أعد أثق كثيراً بعبارة: «يبدو بخير».
فالإنسان قد يبدو بخير لأنه أتقن إخفاء ما يحدث داخله، أو لأنه لم يعد يملك الطاقة اللازمة لشرحه، أو لأنه لا يعرف كيف يحوله إلى كلمات.
وأحياناً، لا يكون الإنسان راغباً في أن يُنقَذ بنصيحة، ولا في أن يُدفَع إلى الكلام بالقوة.
ربما يحتاج فقط إلى شخص لا يخاف من صمته.
شخص لا يسأله للمرة العاشرة: «شو فيك؟»، وكأن عليه أن يقدم تقريراً واضحاً عن الفوضى الموجودة في رأسه.
لهذا بقيت في داخلي عبارة بسيطة سمعتها ذات مرة:
«الله يهدي سرّك».
على بساطة كلمات هذا الدعاء، كان يمنحني شعوراً غريباً بالاطمئنان.
لم أشعر أنه يطالبني بأن أشرح، أو يجبرني على البوح بما يسوؤني. لم يكن سؤالاً ينتظر جواباً، ولم يكن نصيحة جاهزة.
كان رغبة صادقة بأن يهدأ هذا العقل، أياً كان ما يشغله.
وكأن القائل لا يحتاج إلى معرفة المعركة كلها كي يتمنى لي السلام.
«الله يهدي سرّك».
أي أن يهدأ ما لا تستطيع قوله.
أن يستقر ما يضطرب داخلك.
أن تصل إلى مكان آمن في نفسك، حتى لو لم يعرف الآخرون الطريق الذي سلكته للوصول إليه.
ربما كنت أبحث عن هذا المكان الآمن حين بدأت الرسم.
لم تكن البداية قراراً كبيراً. لم أجلس أمام ورقة وأقل: الآن سأعبّر عن ألمي بالفن.
الأمر حدث ببساطة أكبر من ذلك.
بدأت أرسم لأن الخط كان أسهل من الكلام.
اللون لا يسألني أن أشرح لماذا اخترته.
والشكل لا يطالبني بأن أكون منطقياً.
يمكنني أن أضع دائرة بجانب مربع، أو خطاً ثقيلاً فوق مساحة هادئة، من دون أن يطلب مني أحد تفسيراً كاملاً.
في البداية لم أكن أعرف ما الذي أرسمه.
كنت أظن أنني أصنع أشكالاً فقط، ثم بدأت أرى أن كل شكل كان يحمل شيئاً مني. مربعاً يشبه مرحلة شعرت فيها أنني محاصر. دائرة تكرر نفسها كفكرة لا تتوقف. لوناً حاداً يشبه كلمة بقيت عالقة في رأسي. فراغاً واسعاً يشبه شخصاً غادر وبقي مكانه فارغاً.
من هنا جاءت «فقرات».
كل لوحة فقرة.
ليست فصلاً كاملاً، ولا قصة مكتملة، بل جزء من حياة لا يمكن روايتها دفعة واحدة.
فقرة عن عيني أم تراقبان عودة ابنها.
فقرة عن وداع ثقيل في مطار.
فقرة عن كلمة عنصرية قيلت بسرعة، لكنها بقيت زمناً طويلاً في الذاكرة.
فقرة عن فقد.
وأخرى عن انتظار.
وأخرى عن شيء شعرت به، لكنني لم أجد له اسماً.
لم أكن أرسم الأحداث كما وقعت، بل كما بقيت في داخلي.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
الحادثة قد تستغرق دقائق، لكن أثرها قد يعيش سنوات. وقد يكون المشهد عادياً في نظر الآخرين، بينما يتحول في داخل شخص ما إلى علامة لا تزول.
بعد الرسم جاءت الخرداوات.
أو ربما كانت موجودة دائماً، لكنني لم أكن قد فهمت بعد سبب انجذابي إليها.
كنت أرى قطع الحديد والخشب والأشياء القديمة بطريقة مختلفة. لم تكن بالنسبة إلي بقايا انتهت وظيفتها، بل أشياء خرجت من حياتها الأولى، وصارت تنتظر احتمالاً آخر.
قطعة حديد صدئة قد تكون بلا قيمة في نظر أحدهم، لكنني كنت أرى فيها شكلاً، أو انحناءة، أو أثراً ليد مرّت عليها قبل سنوات.
كنت أفكر في المكان الذي جاءت منه.
ماذا كانت؟
من استخدمها؟
وكم بقيت في زاوية ما قبل أن يقرر أحدهم التخلص منها؟
ربما أحببت الخرداوات لأنني شعرت بأنها لا تحتاج إلى إخفاء عيوبها.
الصدأ ظاهر.
الخدوش ظاهرة.
آثار الزمن ظاهرة.
لا تحاول أن تبدو جديدة، ولا تعتذر لأنها لم تعد كاملة.
وحين أجمع هذه القطع وأضعها بجانب بعضها، لا أحاول محو تاريخها، بل أحاول أن أمنح ذلك التاريخ شكلاً جديداً.
لم أكن أصلح الأشياء بالمعنى المعتاد.
كنت أعيد ترتيب خساراتها.
قطعة فقدت وظيفتها القديمة، لكنها لم تفقد قدرتها على أن تصبح شيئاً آخر.
وهذه الفكرة كانت تعنيني أكثر مما كنت أعترف به.
ربما كنت أقول لنفسي، من دون أن أعي ذلك، إن الشيء لا تنتهي قيمته لأنه انكسر، أو صَدِئ، أو خرج من المكان الذي صُنع من أجله.
ربما يمكنه أن يدخل تكويناً جديداً.
لا يعود كما كان، لكنه لا يختفي أيضاً.
يتحول.
لهذا لم تكن الخرداوات مجرد خامة فنية بالنسبة إلي.
كانت طريقة لفهم نفسي.
كل قطعة تحمل أثراً من حياة سابقة، وأنا لا أمسح هذا الأثر، بل أسمح له بأن يصبح جزءاً من العمل. أضع القطع المتفاوتة بجانب بعضها، وأحاول أن أخلق بينها توازناً، رغم أنها لم تُصنع أصلاً كي تكون معاً.
أحياناً أفكر أن الذاكرة تفعل الشيء نفسه.
تجمع أشياء لا رابط ظاهراً بينها: زعتر، دفتر امتنان، فيون، جار، ذكرى موت، أغنية، ودعاء بسيط، وقطعة معدن التقطتها من مكان ما.
ثم تضعها كلها داخل شخص واحد.
ونقضي سنوات نحاول فهم التكوين.
في أعمالي، لم أكن دائماً أعرف المعنى قبل أن أبدأ. أحياناً كنت أكتشفه بعد أن أنتهي، وأحياناً كان شخص آخر يرى في العمل شيئاً لم أره أنا.
وهذا لا يزعجني.
فالعمل، حين يخرج من يدي، لا يعود مضطراً إلى حمل قصتي وحدها. يمكنه أن يوقظ في شخص آخر ذكرى مختلفة، أو أن يذكّره بخسارة تخصه، أو أن يمنحه شعوراً لا يعرف كيف يشرحه.
ربما هذه هي أكثر فكرة أحبها في الفن:
أنه لا يطلب من الناس أن يعيشوا التجربة نفسها كي يشعروا بشيء أمامها.
لا أعرف إن كان ما أفعله علاجاً، ولا أحب أن أمنحه اسماً أكبر من اللازم.
أنا لا أصنع عملاً فنياً في كل مرة كي أشفى، ولا أخرج من كل لوحة أخف وزناً. بعض الأعمال تعيدني إلى الأشياء بدلاً من أن تحررني منها. وبعضها يفتح أسئلة جديدة، ولا يغلق القديمة.
لكنني أعرف أنني، حين أصنع شيئاً بيدي، أشعر أنني موجود.
أشعر أنني لا أراقب حياتي من خلف الزجاج فقط.
ألمس الخشب.
أثني المعدن.
أختار اللون.
أخطئ.
أفكك ما صنعته.
ثم أعيد المحاولة.
وربما كانت إعادة المحاولة هي الفكرة كلها.
ليس الوصول إلى نسخة كاملة مني، ولا إلى عمل يخلو من العيوب، بل أن أتمكن في كل مرة من العودة إلى الطاولة، والنظر إلى ما بقي، والسؤال:
ما الذي يمكن صنعه من هذا؟
من هذه القطعة؟
من هذه الذكرى؟
من هذا الفقد؟
من هذا اليوم الذي مرّ بصعوبة؟
ومن هذا الجزء في داخلي الذي ظننته انتهى؟
لا أملك جواباً نهائياً.
لهذا ما زلت أرسم، وأجمع، وأفكك، وأعيد التركيب.
ولهذا أيضاً لا أريد أن يبدو هذا النص كقصة انتصار مكتملة. لم أتجاوز كل شيء، ولم أفهم كل شيء، ولا أستطيع الادعاء بأن الفن أعادني تماماً إلى نفسي.
بعض الأيام ما زالت ثقيلة.
وبعض الذكريات ما زالت تأتي من دون استئذان.
وأحياناً يعود ذلك التبلّد، فأعرف أن العقل أغلق الأبواب مجدداً، لأنه تعب من الحراسة.
لكنني أصبحت أعرف أن الباب موجود.
وأعرف بعض الطرق الصغيرة التي قد تقودني إليه: موسيقى، أو كتابة، أو لون، أو قطعة مهملة، أو يد تبدأ بصنع شيء لا تعرف بعد ماذا سيكون.
وربما دعاء بسيط، لا يطالبني بشيء:
الله يهدي سرّك.
أما هذا النص، فليس تفسيراً كاملاً لي، ولا اعترافاً نهائياً، ولا سيرة ذاتية مرتبة.
إنه فقرة أخرى.
محاولة لوضع بعض القطع إلى جانب بعضها، والنظر إليها من مسافة كافية، لعلها تكشف لي الشكل الذي كانت تصنعه طوال الوقت.
وقد لا تكون المحاولة الأخيرة.
في الحقيقة، أعرف أنها ليست كذلك.
هذه فقط…
المحاولة رقم 103.
